الشنقيطي
319
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عباس رضي اللّه عنهما قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال - وهي من المثاني - وإلى براءة - وهي من المائين - فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ووضعتموهما في السبع الطول فما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان رضي اللّه عنه : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان إذا أنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول : ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا ، وتنزل عليه الآيات فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت « الأنفال » من أوائل ما أنزل بالمدينة ، و « براءة » من آخر ما أنزل من القرآن ، وكانت قصتهما شبيهة بقصتها ، وقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ووضعتها في السبع الطول . ا ه . تنبيهان الأول : يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب آيات القرآن بتوقيف من النبي صلى اللّه عليه وسلم . وهو كذلك بلا شك ، كما يفهم منه أيضا : أن ترتيب سورة بتوقيف أيضا فيما عدى سورة « براءة » ، وهو أظهر الأقوال ، ودلالة الحديث عليه ظاهرة . التنبيه الثاني : قال أبو بكر بن العربي المالكي - رحمه اللّه تعالى - : في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين : ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ، ورأوا أن قصة « براءة » شبيهة بقصة « الأنفال » فألحقوها بها ، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن ، فما ظنك بسائر الأحكام . قوله تعالى : مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ [ 1 ] إلى قوله : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ 2 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين ، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله : فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلا عهد لكافر . وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء . والذي يبينه القرآن ، ويشهد له من تلك الأقوال ، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين ، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة أشهر ، فتكمل له أربعة أشهر . أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر ، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم ، ودليله المبين له من القرآن ؛ هو قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) [ 4 ] وهو اختيار ابن جرير ، وروي عن الكلبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وغير واحد ، قاله ابن كثير ويؤيده حديث علي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بعثه حين أنزلت « براءة » بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان . ولا يقرب